ضريح النبي عزرا في ميسان يتناغم مع معبده العتيق

المقاله تحت باب  الأقوام والعشائر والأديان
في 
07/08/2012 04:15 PM
 




 
نبراس الذاكرة
غريب وعجيب وحبيب هذا الوطن، كل شيء فيه يغري، كأن الأرض لم تلد غيره، والشمس لم تشرق إلا من اجله، والقمر يأبى مفارقة مجرات نوره، فلم يكن السياب واهما أو حالما حين قال"الشمس أجمل في بلادي من سواها... حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق"، لماذا العراق؟

أول صيحة ديك أيقظت عيون الكون كانت فيه، أول تهجي لأبجدية الحرف كان هو نبيها، أول شريعة قانون كان رسولها، ينبوع الحب الأول، وعين العلم الأولى، في جارستين كان أول كهف عرفه الإنسان في تاريخ البشرية، وآدم لم يختر سواه بديلا عن الجنة، ولا يزالون أحفاد كلكامش يبحثون عن عشبة الحياة رغم هذا السيل من الحروب، حروب البشر والطبيعة وكل شيء.
بانتظار أجوبة واقع

العراق في ترفه وقرفه محسود، لأنه العراق، هكذا وجده ابن بطوطة في رحلاته الطويلة، والمتنبي بأشعاره الخالدة، حاول الكثيرون أن يقلدوه، أن يتشبهوا به، فهل افلحوا؟ سؤال ينتظر أجوبة واقع، وردود مواقع، وإسناد ذرائع.

اليوم وأنا ادخل مجمع الأديان في مصر القديمة بالعاصمة المصرية القاهرة، والذي يحوي القاهرة الإسلامية والقبطية واليهودية ومدينة الفسطاط والمتحف القطبي وغيرها من حصون وقلاع.
المواقع الإسلامية أو القبطية على الرغم من جمالية العمران وهيبة وقدسية المكان لم تثرني بقدر ما أثارني موقع يتوسط مجمع الأديان لمعبد يهودي يسمى المعبد العتيق بن عزرا، ما المثير في الأمر؟ قد يقول قارئ، مبررات الإثارة لأنه أحالني إلى مرقد في جنوب العراق، بل إلى قضاء يتبع لمحافظة ميسان، حيث يقع في هذا القضاء مرقد النبي عزرا عند منعطف نهر دجلة في مدينة تسمى باسمه.
من هو عزرا؟

النبي عزرا هو من ذرية هارون بن عمران، يقع مرقده في (ناحية العزير) والتي تبعد عن العمارة (مركز محافظة ميسان) بـ(70) كم، ومن معالمه البارزة احتواؤه على الضريح، ويعود بناء المرقد الى عام 457 - 423ق. ولم يترك اليهود جريا على عادتهم المرقد خاليا من رموزهم، حيث وضعوا نجمة داوود فوق بناية المرقد، لكنها رفعت عام 1982، وبقيت بعض الكتابات العبرية التي وضع مكانها لفظ الجلالة، وبعد رحيل آخر يهودي من المدينة في بداية الخمسينات أصبحت سدانته بيد المسلمين.

ضريحه على الضفة اليمنى لنهر دجلة في منتصف الطريق تقريبا بين القرنة وقلعة صالح في ميسان، والعزير لا يحظى بتقديس اليهود فقط بل والمسلمين أيضا ،وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين اليهود يؤكدون أن قبر ألنبي عزرا في ألقدس إلا أن اليهود الذين كانوا في العراق لا يشكون في صحة القبر، وهم يستندون في ذلك إلى أن التلمود الذي يذكر أن الموت داهم عزرا في بلدة (زمزوم )على دجلة وهو في طريقه إلى (سوسه).
 

اهتمام الولاة العثمانيين

وتذكر الرواية أن النبي عزرا كان قد دفن في البداية في المحل الذي مات فيه قبل أوانه، لأنه وكما هو معروف أماته الله ثم أحياه بعد عقود من السنين، وبعد أن أهمل قبره وتحول بالتدريج إلى تل من الخرائب، فرض السلطان العثماني على الطائفة اليهودية في العراق، أن تنقل رفاته إلى الموضع الذي يرقد فيه، وان تبني له ضريحا فيه، وعندما أخذ هذا الضريح يتهدم أهتم والي بغداد أحمد باشا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بإعادة بناء القبر وأقام عليه ضريحا جديدا يتألف من قبة من القاشاني الأزرق.

وقد تهدم في العام 1904م، وأعيد بناؤه مرة أخرى وألحقت به بناية تتكون من طابقين تحوي أماكن للنزلاء ،وخلف السياج الذي يحيط بالضريح وبالبناية المخصصة لاستقبال الغرباء أقيمت بلدة كاملة تعيش بشكل كامل على الزائرين الذين يؤمون الضريح كما ورد في (الكسندر أماموف/ ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها/ ترجمة هاشم صالح ص46 ).

وصف القبر بعين انكليزية

وقد وصف المرقد المستر ريج الذي كان قنصلا إنكليزيا في بغداد سنة 1808 م، بداية القرن التاسع عشر وصفا دقيقا ،حيث قال "هو بناء يشبه جامعا يقوم على لسان با رز من ألنهر، وقد أنشأ هذا أللسان من دورة تدورها دجلة هناك، حيث تلتوي كل الالتواء، وقد ألتف حول المكان عدد من الأعراب يسكنون قرية بيوتها من القصب ويقوم القبر في منتصف الغرفة، وهو مستطيل الشكل منحرف السطح معمول من الخشب ومسجى بمخمل أخضر طوله 8 قدم، وارتفاعه 6 أقدام، وعرضه 4 أقدام، وبينه وبين كل طرف من أطراف الغرفة 3 أقدام، وكانت زواياه وأعلاه مزدانة بكوة كبيرة من النحاس الأصفر (محمد حرز الدين/ مراقد المعارف/ ج 2 / ص17 ـ 70) وكتب عليها السلام عليك يا نبي الله يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا، ويسمى بالعربية العزير، وبالعبرية عزرا وترجمتها عون، وبالكلدانية ابدنجو وهو احد أنبياء اليهود الذين عاقبهم الملك البابلي نبوخذ نصر بعد السبي ورماهم في النار حسب الروايات العبرية القديمة.

بعد المنفى البابلي

وعاد مع اليهود الذين عادوا الى القدس في نهاية (المنفى البابلي)، ووفقا لعلماء الكتاب المقدس عزرا توفي وهو في عمر 120 عاما في بلاد ما بين النهرين يعتقد السكان المحليون أن عزرا وافته المنية أثناء التجوال في مدينة العمارة، والضريح لا يزال موجودا في هذه المنطقة و(بشير زالان) هو القيم على ضريح عزرا والذي ورث المهنة منذ 100 عام من والده ، يقول جبار لعيبي المالكي احد سكنة المنطقة أن سكان المناطق المحيطة بالمرقد وهم من المسلمين الشيعة هناك يزورون القبر ويقدمون النذور وبعضهم يعرفون من هو صاحب المرقد، لكن اغلبهم لا يعرفون من هو عزرا كما يقول لعيبي.
جميعها بيوت الله

حين سألت الكثير منهم كان جوابهم كلها بيوت الله، وتجدهم يؤدون فيه الشعائر الإسلامية كالصلاة والدعاء، فتجد التربة حاضرة أثناء الصلاة في المرقد، وصور للعديد من سادة الشيعة أيضا موجودة هناك، فضلا عن الأعلام الخضراء وآثار الحناء موجودة في باب المرقد وجدرانه الخارجية، وان المرقد الآن تابع للوقف الشيعي، ويضيف لعيبي أن العديد من النساء اللواتي التقى بهن ذكرن له (السيد مراده باليد) وهذا يعني بان طلبهن عنده لا يرد، وهو صاحب بركة عند الله، فالمهم هذه الروح الإنسانية النبيلة التي تقدس مقابر ومراقد الأولياء بعيدا عن أصولها الدينية، كما يقول جبار لعيبي.
تدابير أمنية

عرفنا ذلك المرقد وهو بما لا يقبل الشك لأحد أنبياء اليهود المذكور في قرآننا الكريم، ولكن من هذا الذي نقف أمامه في مجمع الأديان بمصر القديمة أنا وصديقتي الشاعرة والإعلامية رنا جعفر ياسين المقيمة في القاهرة؟ حاولنا جاهديْن أن ندخل إليه، لكن باءت جميع محاولاتنا بالفشل، لتدابير أمنية اتخذتها الحكومة المصرية من اجل حماية المراقد والمعابد الدينية وخاصة اليهودية بعد التغييرات التي حصلت في مصر بعد ثورة يناير، المهم حرماننا من الدخول من قبل موظفة الاستعلامات الجميلة جدا، لم يقضِ على الأمل فشرطة حماية المعبد، قاموا بتصوير ما نريد وتزويدنا بالمعلومات، فضلا عن وجود كتب وكراريس عند باب المعبد تشرح وبالتفصيل تاريخ المعبد، لذا قمت بشرائها لمعرفة الحقيقة واطلاع القارئ عليها.

من معبد إلى كنيسة

يقول البروفيسور النبوي جبر سراج مدير عام الآثار اليهودية السابق بالمجلس الأعلى للآثار: إن هذا المعبد تحول لبرهة من الزمن الى كنيسة قبطية، استخدمت في تأدية الشعائر المسيحية، وأضيفت عليه بعض الرموز الخاصة بالكنائس المعروفة بالطراز البازيكيلي وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، ورغم استخدامه من قبل الأقباط لتأدية شعائرهم لكن ظل اسمه معروفا باسم معبد بن عزرا.
ويضيف النبوي انه في القرن التاسع قامت الطائفة اليهودية بدفع عشرين ألف دينار، تمثل ديونا متراكمة على الأقباط مقابل عودة المعبد لليهود مرة أخرى، وذلك بشرائه من السلطان طوسون هو والأرض المحيطة به، ولا يزال معبدا يهوديا إلى يومنا هذا.

يقول النبوي: إن أهمية المعبد الروحية والدينية عند اليهود تكمن في كونه مكانا قد وطأته قدما سيدنا موسى عليه السلام، وبه صلى ودعا ربه كما تدل بعض الكتابات التي وجدت على قطعة رخامية تشير إلى ذلك داخل المعبد، كما انه ذو أهمية عند الأقباط من خلال وجوده تحت سيطرتهم قرونا عديدة، وكذلك يمثل اهمية عند المسلمين كونه تمت إعادة بنائه على الطراز الإسلامي في عهد الخلافة الإسلامية، لذا كما يقول النبوي يظل هذا المعبد رمزا حقيقيا يدل على اتحاد الأديان على ارض مصر.

صندوق موسى وأهمية المعبد الدينية
وما يروى عنه أن مياه النيل كانت تفيض في هذا المكان الذي انتشل منه الصندوق الذي وجد فيه سيدنا موسى وهو رضيع، وقدسيته أيضا لكونه يتوسط الكنائس القبطية القديمة وأول مسجد في الإسلام.

انقطعت عن كلام البروفيسور، ودخلت روحي المعبد تبحث عن الذي يقوى على انتشالها من صندوق الأزمات، وسط هذا الفيضان الهادر من النفاق والاختناق السياسي الذي يعيشه العراق، وحين عاتب روحي المعبد العتيق بشأن ما حل بمرقد نبيهم العزير، كان جوابها هو في الحفظ والصون عند المسلمين، كما كنت أنت عند الأقباط يوما ما، لم يعجبه حديث روحي فأوصد بابه وأقفلت روحي راجعة حيث النبوي الذي يقول، زادت أهمية المعبد حين عثر في داخله على كميات كبيرة من الكتب والأوراق والمحفوظات التي تدعى بـ"الجنيزاه" وتم العثور عليها بالطابق العلوي داخل حجرة وذلك في العام 1896م، بالإضافة الى سفر التوراة بخط عزرا الكاتب الذي يرجع تاريخه لنصف قرن قبل الميلاد، وظل محفوظا داخل المعبد حتى تم نقله خارج البلاد، وجاء ذكره في كتاب رحلات الحاخام حاييم يوسف داود، وذكر أيضا في كتاب الخطط للمقريزي المؤرخ المصري، ويبين النبوي أن هذه"الجنيزاه" نقلت الى عدة جامعات مشهورة دوليا وعالميا،آخرها جامعة كمريدج ولا تزال هذه الأوراق محل البحث والدراسة حتى الآن.

ما معنى الجنيزاه؟
الجينيزاه كلمة تعني مجموعات الكتب والأوراق والمخطوطات القديمة المكتوبة باللغة العبرية وتلقي الضوء بدقة وثائقية على التاريخ اليهودي.
وهنا تذكرت أرشيف اليهود العراقيين الذي قامت بنقله القوات الأميركية من العراق إلى واشنطن بعد التغيير، وعجزت الحكومة عن استرداده إلى يومنا هذا، على الرغم من مناشداتها ومطالبها المستمرة، وأنا برأيي أن يترك الجنيزاه العراقي مع أخيه المصري، فالمعبد والمرقد تابعان لعزرا اليهودي، فأهل مكة أدرى بشعابها، ما دمنا مشغولين بالقومية وشعاراتها التي لم نقبض منها سوى الخيبات والنكبات.

يقول النبوي سراج إن المعبد بني على شكل مستطيل طول ضلعه 140 متراً ،وعرضه من 20 – 35 مترا، وإجمالي مساحة الموقع حوالي 3500 متر مربع، وتحيط به الكنائس ومقابر خاصة بالأقباط في منطقة حصن بابليون الروماني، ويتكون المعبد من طابقين الأرضي للرجال والأعلى للسيدات، ويحيطه سور من الحجارة، وطول المعبد من الداخل 21 مترا ونصف المتر، وعرضه 12 مترا ونصف، وارتفاعه 8 ونصف المتر، ويوجد خلف المعبد من الجهة الجنوبية بئر مائية تسمى "مكفاة" وتستخدم للطهارة، والحقيقة حاولت الوصول إليها ولكن الحرس منعني، لكنه مشكورا قام بتصويرها خلسة، خشية من التعليمات.

قبلة المسلمين
المدخل الرئيسي للمعبد يقع في الجهة الجنوبية الغربية، وترى الهيكل الذي يضم دولاب التوراة يتوسط الجدار الشرقي وهو مرتفع عن ارض الصالة الداخلية قليلا ويصعد إليه بسلالم من الرخام، والهيكل من الخشب المطعم بحشوات من الصدف والعاج التي تشكل عناصر زخرفية إسلامية يعلوها شكل يشبه القبلة في مساجد المسلمين وهي ذهبية اللون، وعلى جانبيه كتابات عبرية يعلوها لفظ الجلالة "الله"، وكذلك الوصايا العشر، وكتب تاريخ العمل سنة 1902، ومعظم الزخارف كما يقول النبوي من الطراز الإسلامي.

وما يميز المعبد وجود حجرتين على جانبي الهيكل، وكانت تلك الحجرتان أيام تحول المعبد إلى كنيسة، تستخدمان كأماكن للاعتراف، وحينما استرد اليهود المعبد أصبحتا مكانا للذين يبحثون عن الشفاء على يد بن عزرا، حيث ينامون في تلك الحجرتين ليلة كاملة على الأقل، ينذرون خلالها للمعبد أشياء دينية مثل ستائر او إناء من الفضة وغيرها.

العودة إلى أم جاسم
ومما يدل على وحدة الأديان هو وجود رموز عبرية على أبواب الهيكل، وتوجد على يمين الهيكل ثريا معلقة تحمل أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة باللغة العربية، كما توجد ثريا أخرى مدلاة من السقف وهي من النحاس على شكل مخروطي وتحمل اسم سلطان المماليك قلاوون باللغة العربية.
تركت البروفيسور سراج وعدت إلى مرقد النبي العزير المتوسد على ضفاف دجلة، لأزف البشرى لأم جاسم المسلمة الشيعية، بان دعاءها تحت قبة مرقد العزير مستجابة، والدليل أن ولده في المعبد العتيق بالقاهرة يجيب الداعي إذا دعاه من تحت الثريا التي تحمل أسماء خلفاء الإسلام الراشدين الأربعة... فالسلام عليك يا نبي الله يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا.
 
يوسف المحمّداوي