... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة الثقافة

 

 

يسعدني ويشرفني أن يقترن اسم أبي ولقبي بالعلامة علي الوردي

عدد المشاهدات   1537
تاريخ النشر       13/03/2015 02:59 PM


نبراس الذاكرة

  
شهادة عراقية للباحث الاقتصادي والأكاديمي د. سليم علي الوردي:
 

زيارات إلى سجن بعقوبة

اتاح لنا سجن أخي حسين الذي طال أمده فرصة التعرف عن قرب على بعض الرموز القيادية للحزب الشيوعي العراقي، خاصة بالزيارات الجماعية للمعتقلين السياسيين في سجن بعقوبة بخمسينيات القرن الماضي، وكنت منبهرا ببعضهم، وفي مقدمتهم القيادي الشيوعي الراحل زكي خيري الذي يعود نضاله الوطني الى عشرينيات القرن الماضي، وكنا نحن الصبية نسميه (جدو) لانه كان اكبر المساجين سنا .وربما يعود سر انبهاري به الى بعض اوجه الشبه في قسمات وجهه وطوله الفارع بالروائي الروسي مكسيم غوركي ،ومما اتذكره عنه انه كان قليل الكلام كثير الاستماع للاخرين، مازالت اتذكر بوضوح مداخلة لي معه العام 1953 وكان لي من العمر احد عشر عاما،في العام الذي توج به الملك فيصل الثاني على عرش العراق، واقيم حفل كبير بالمناسبة في قصر الرحاب حضرته وفود اجنبية وقادة الدولة وعدد من المسؤولين والشعراء العرب . وكانت المفاجأة الكبرى في ذلك الحفل القصيدة التي القاها بالمناسبة الشاعر محمد مهدي الجواهري، وقد صدمت الرأي العام المعارض فتصدى له شاعر من المعارضة وعارضه بقصيدة هجاء مقذع على نفس وزن قصيدته وقافيتها نسبت خطأ الى الشاعر محمد صالح بحر العلوم . اندفعت الى حفظ تلك القصيدة لما فيها من عناصر الاثارة وتأهبت لالقائها في اول زيارة لاخي حسين في سجن بعقوبة متطلعا الى الحصول على المدح والثناء وهي سجية حب الظهور التي تتركز لدى الصبية في مثل تلك المرحلة العمرية.

درس تعلمته من زكي خيري

كان المعتقلون وزوارهم ينتظمون على شكل حلقات في خلال المواجهة. اخترت حلقة واسعة تحيط بالراحل زكي خيري وانتصبت واقفا لالقاء القصيدة وقبل ان اكمل الشطر الاول منها:

((صه يا رقيع فمن شفيعك في غد))

انتفض زكي خيري وعنّفني وامرني بالتوقف عن القاء القصيدة وقال بكلمات قاطعة (الشاعر بحر العلوم لم يقل هذا الكلام الذي لايصح ان يقال بحق ابي فرات (الجواهري) ،فاصابني الاحباط والانكسار الشديدان وربما دمعت عيناي لحظتها. وحين احس زكي خيري بانكساري ابتسم في وجهي ودعاني الى الجلوس بجانبه وربت على رأسي وسألني:اذا انزلق صاحبك الى مستنقع فهل تدفعه ليغرق فيه ام تمد يدك اليه لتنتشله؟
ادركت بعد سنوات الدلالات العميقة لسؤاله ومثلت لي درسا بليغا اتصرف على ضوئه في علاقاتي مع الاخرين فلا اتسقط زلاتهم وهفواتهم لكي لا ادفعهم الى الايغال فيها،وفي الوقت عينه كنت مبهورا بشخصية قيادي اخر هو الراحل حميد عثمان (الاخ الاكبر للبرلماني الكردي الحالي الدكتور محمود عثمان) وكان يختلف كليا عن شخصية زكي خيري حيث يطل علينا بخطواته البطيئة لانه كان مثقلا بالسلاسل فترتفع الهتافات وتردد ابيات من شعر الجواهري:

سلام على مثقل بالحديد
ويشمخ كالقائد الظافر
كأن القيود على معصميه
مفاتيح مستقبل زاهر

وكان حميد عثمان متحفزا دائما لاطلاق شريط من العبارات الثورية الرنانة فاذا سألته كيف الاحوال ابو خسرو ؟ ....
اجابك بعين يتطاير منها الشرر (احنه حديد... فولاذ) كان يمثل انموذجا للمناضل الشيوعي الذي رضع حليب الحقبة الستالينية في تلك المرحلة .

نظرة عين الطائر

* يستشف من استذكارك انك نشأت في كنف عائلة كانت ضالعة في النشاط السياسي الوطني وها انت تدرج في العقد الثامن من العمر ولم يعرف عنك ضلوع يذكر في ذلك النشاط ؟ رغم ميولك اليسارية التي ظهرت في كتاباتك السبعينية لاسيما في ردك على منهج الوردي الذي تراجعت عنه بعد ثلاثة عقود في كتابك (ضوء على ولادة المجتمع العراقي )؟

- الحقيقة انني لم اندفع في تيار العمل السياسي وان كنت قريبا جدا من المشهد السياسي ولعلني قد التقطت من معطياته مالم يتح لمن كان يسبح في التيار التقاطه وهو ما جعل نظرتي للاحداث والاشياء ينطبق عليها التوصيف الانكليزي نظرة عين الطائر birds eye view وقد تبلور عندي هذا الموقف المستقل حتى قبل انخراطي في الدراسة العليا ،فقد بدأت مبكرا في رسم تطلعاتي الى ولوج عالم العلم والبحث، وقدرت ان الانشغال بالسياسة وما تتصف به من تقلب قد يؤثر في السوية العلمية التي اتطلع اليها واخطط لها، وقد تكرس عندي هذا الموقف وهذه الرؤية كلما تعمقت في دراسة ظواهر المجتمع العراقي الذي عانى الامرين من اخفاق مشروعه السياسي ،وقد اوضحت هذا الفهم في كتابي (ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر( 2009)) في فقرة تحت عنوان الايديولوجية والعلم والسياسة حيث اوضحت ان العلاقة بين العلم والسياسية شائكة واذا كنت لا اعزل بينهما بشكل مطلق فانا ادعو ان يحافظ العلم على استقلاليته والا يخضع لاملاءات السياسة لانها برغماتية وذرائعية ونفعية وظرفية وهو ما يجافي السوية العلمية ومن الطريف ان العلامة ابن خلدون قد كرس فصلا لهذا الموضع في مقدمته تحت عنوان (العلماء من البشر ابعدهم عن السياسة ومذاهبها ) وبعد ستة قرون يقول الفيلسوف البريطاني برنارد رسل (ان من اصعب المشاكل التي تواجهها الديموقراطية اقامة علاقة صحيحة بين العلم والسياسة)،اذا كان هذا الاشكال واردا في المجتمعات الاوروبية الديمقراطية فكيف يكون الامر في بلد كالعراق تتجلى فيه السياسة باكثر اعراضها تقلبا وضراوة!!
انعطف في حديثي واتساءل : لو قدر للدكتور علي الوردي ان ينخرط في احد التيارات السياسية او التشكيلات السلطوية ،هل كان العراق سيحظى بعلامة اجتماع مرموق مثله لعب دورا رياديا في تنوير المجتمع العراقي؟ لا اكتمك سرا انني تأثرت مبكرا بتجرية الدكتور علي الوردي بهذا الصدد وان كانت اختلف عنه من حيث المنهج والمرجعيات المعرفية.

علاقتي بعلي الوردي الانسان والعالم

* بمناسبة استشهادك بعلي الوردي اود معرفة ردود فعله على ما كتبته في كتابك الذي صدر عام 1978(علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية ) الذي انتقدت فيه منهجيته ؟وما هي حدود العلاقة التي كانت تربطكما لاسيما وانكما تتشابهان في اللقب والنشأة وربما تتقاربان في حقل الاختصاص، وهل واجهت عقبات او اشكالات في تشابه الاسم واللقب بينك وبين الوردي؟

- حين صدر كتابي (علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية) في تموز 1978 كان الدكتور الوردي مسافرا الى بولونيا كدأبه في كل صيف وحين عاد الى العراق في نهاية شهر ايلول زرته في البيت لاهديه نسخة من الكتاب فوجدته كان قد قرأه ولم يبد اي تعليق او تعقيب عليه واكتفى باطراء سلاسة الاسلوب وربما على سبيل المجاملة والتشجيع قال لي:
( اسلوبك في الكتابة افضل مما كان عليه اسلوبي في تجاربي الاولى في الكتابة) ووعد ان يعقب عليه في احد ملاحق كتبه القادمة ،ولكنه ولسوء الحظ توقف عن اصدار كتبه مع تقلد صدام حسين رئاسة الجمهورية العام 1979 ،وعلى اية حال فان اصدار كتابي كان مناسبة لتوطيد علاقتي الشخصية به، لا سيما وانه كان قد دأب ومنذ ثمانينيات القرن الماضي على زيارة صديقه وابن عمه الصائغ السيد محمد هاشم الورد (رحمه الله) وهو والد زوجتي .كنا نلتقي هناك في امسية كل خميس وغالبا ما كنت اوصله الى بيته بسيارتي. ومما يدعو للاستغراب ان الدكتور الوردي لم ينوّه في اي من تلك اللقاءات التي امتدت حتى رحيله العام 1995 الى كتابي الناقد لمنهجيته ولاحتى بتلميح بسيط ولكنه كان في معرض احاديثنا السياسية والفكرية يغمز بين الحين والاخر ويقول (تعال فهم الحاج احمد اغا) فالتقط بانني المقصود بالحاج احمد اغا فاضحك..!
لقد افدت كثيرا من علاقتي مع الدكتور الوردي فهو الى جانب غزارة علمه ورؤيته الثاقبة الى الكثير من الاحداث السياسية الاجتماعية،فهو رجل حلو المعشر سريع البديهة ولا تمل حديثه بما في ذلك تعليقاته الساخرة ومما افدته منه انه اعارني في مطلع الثمانينيات كتاب الباحث الفلسطيني الدكتور الراحل حنا بطاطو عن العراق (بنسخته الانلكيزية) وكان تداوله محظورا في العراق وقتذاك ومثلت لي المعلومات والبيانات والاحداث التفصيلية التي احتواها الكتاب بمثابة فتح معرفي بقدر تعلق الامر بالمشروع السياسي العراقي وما زال الكتاب باجزائه الثلاثة يمثل لي مصدرا رصينا ارجع اليه في اغلب كتاباتي في الشأن العراقي.

الوردي وبطاطو

وعموما تبقى في مقدمة مرجعياتي المعرفية الاساسية في دراسة المجتمع العراقي كتب علي الوردي والدكتور حنا بطاطو وان اختلفا في منهجيتهما ومرجعياتهما المعرفية .فالعلماء يسيرون بابحاثهم في مسارات متوازية وان تباعدت وتباينت خطواتهم والوسائط التي يتوسطونها فهدفهم النهائي بلوغ الحقيقة او الدنو منها فهم وان اختلفوا من حيث المناهج والاحكام التي يخلصون اليها يلتقون من حيث روح السماحة المعرفية وهو ما جعل الوردي وبطاطو ينأيان عن الاحكام المسبقة والاملاءات الايدولوجية الجاهزة ،ان الاختلاف بين مشروعي الوردي وبطاطو لم يحل دون اقترابهما من الحقائق نفسها وان اختلفت توصيفاتهما لها لانهما كانا قد حلقا في فضاء معرفي نقي لا تلوثه التأثيرات الايديولوجية المغتربة والغايات السياسية النفعية.

لم اتراجع ولكنني تقدمت

* يقودني حديثك عن تأثرك بالدكتور علي الوردي الى سؤال اود طرحه لان هذا التأثر يشوبه بعض اللبس لدى القراء بسبب اصدارك المبكر في العام 1978 لكتاب تنتقد فيه منهجه بدراسة المجتمع العراقي يحمل عنوان (علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية )ولكننا في السنوات الاخيرة نجدك تتحدث عنه بنفس اخر ومراجعة اخرى، هل هي حكمة خريف العمر ام ديناميكية العلم وهي ابقى من ثوابت الايدولوجيا التي تسربت تعاليمها الى جيلكم بشكل واخر؟

- هذا السؤال سبقك اليه اخرون فبعضهم يسأل هل تراجعت في السنوات الاخيرة عن اطروحاتك النقدية لمنهج الدكتور الوردي العام 1978؟ جوابي:
انني لم اتراجع عن تلك الاطروحات ولكني تقدمت عليها.
قد تبدو هذه الاجابة ملتبسة ايضا؟ وغير مقنعة ولكن لابد من الاقرار ان النضج المعرفي لسليم الوردي وهو في العقد السابع من عمره غير ما كان عليه في عقده الرابع حين اصدر باكورة نتاجاته الفكرية ،ولا تنس التغيرات الدراميتيكية في العراق والعالم خلال اكثر من ثلاثة عقود وكان لابد لها ان تنعكس في رؤيتنا المعرفية للاشياء والتراجع عن النظرة الميكانيكية لتغير المجتمع، كنت في سبعينيات القرن الماضي على سبيل المثال ارزح تحت قناعة ان الحل الاشتراكي للبشرية سيتحقق في عقود ليست بعيدة ،بيد ان تقويض المنظومة الاشتراكية وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي جعلني اعيد النظر بالمديات الزمنية للتغيرات المجتمعية فهي ابعد بكثير وابطأ من ايقاع تطلعاتنا التي نصبوا الى ان ندركها في حياتنا.
اما الاعتبار الآخر فيتعلق بالفهم العامي الشائع للنقد: تقويض الآخر والغاؤه لأن النقد المعرفي لايطيق مثل هذا الفهم العامي، فالنقد هو العام تطور المعرفة يتجلى فيه اختلاف رؤية رجال الفكر والفلاسفة ،فعندما انتقد ارسطو نظرية تحرر الروح عن الجسد لمعلمه الفيلسوف افلاطون فهو لم يلغه بل قال قوله الشهير(احب افلاطون ولكن حبي للحقيقة اعظم)ومما يذكر انني قد ذيلت عبارات اهداء نسخة من كتابي الى الدكتور علي الوردي بهذا القول العام 1978.
اقول هذا لابين ان نقدي لمنهج الدكتور الوردي العام 1978 لايعني التقاطع المطلق مع اطروحاته في دراسة المجتمع العراقي التي لايمكن لاي باحث اجتماعي ان يغفلها واذا ما صح الحديث عن علم اجتماع عراقي فان رائده بلا منازع هو الدكتور علي الوردي

تشابه الاسم واللقب

* ما الذي عانيته من تشابه الاسماء والنشأة والقرابة وربما حقل الاشتغال المعرفي مع الدكتور علي الوردي مع فارق السن بينكما؟ وهل شعر ابناؤه انك متطفل على بنوتهم لابيهم الوردي؟ وماهي المسؤولية التي تحملتها لفض الاشتباك بين تشابه اللقب والاختصاص بينكما؟
- يسعدني ويشرفني ان يقترن اسم ابي ولقبي بالدكتور علي الوردي ولم اعان من هذا التشابه ،ففي العام 1978 عندما صدر كتابي (علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية) الذي ناقشت فيه
منهج الدكتور علي الوردي في
دراسة المجتمع العراقي نشرت بعض الصحف خبرا مفاده:(( الابن يناقش اباه)) و((الورديان يتحاوران))وما الى ذلك، في حينه اجرت
مجلة الف باء لقاء وحوارا معي بصدد الكتاب المذكور واوضحت فيه ان علي الوردي ليس ابي والامر مجرد تشابه اسماء وانتهى الموضوع .

ولده يتهجم عليّ

اما عما اسميته بشعور ابنائه انني اتطفل على بنوتهم لابيهم فانت لاتطرحه بالمصادفة لانك كنت حاضرا في الحفل الاستذكاري العاشر لرحيل الدكتور الوردي الذي اقيم في فندق بابل (13 تموز 2005) واستمعت الى ابنه البكر كيف فاجأ الحضور وفاجأني حين شن علي هجوما واتهمني بالافتراء على والده. وانا بدوري لم اعقب في حينه على كلامه احتراما للحفل والحضور وتفادي انشغال برنامج الحفل بقضية جانبيه ،ولكن لا اكتمك سرا اني قد بهت واستغربت في حينه ولم اجد تفسيرا لتصرفه ذاك ولا للغل الذي يحمله في صدره عليّ سوى ما تشخصه انت الآن:
شعور بالتطفل على ابوته لابيه لاسيما انه واخوته لم يرثوا عن الدكتور علي الوردي اي قدر من الخصب المعرفي الذي تميز به، ربما باستثناء ابنته السيدة الفاضلة سينا التي نشرت عددا من المقالات عن قضية المرأة.
اما عن فك الاشتباك في تشابه الاسم فقد عالجته ببساطة ولم اعد اكتب فيما انشر اسم ابي مكتفيا باسمي الاول واللقب: سليم الوردي .


حوار وتحرير: توفيق التميمي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com