... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مذكراتي وحوار الذكريات

 

 

إذاعة بغداد كانت أشبه بثكنة

عدد المشاهدات   1648
تاريخ النشر       13/03/2015 02:59 PM


نبراس الذاكرة
 
إذاعة بغداد كانت أشبه بثكنة يحكمها الحاكم العسكري صالح العبدي 

  
توفيق التميمي

شهادة الفنانة التشكيلية العراقية المغتربة أمل بورتر:
اغتيال الفرحة الاولى

ضاعت تلك الايام الجميلة لاول ايام تموز ولن انسى اول مهرجان احتفالي بيوم السادس من كانون عيد الجيش فلقد سهرت بغداد رغم البرد الشديد حتى الفجر والكل واعني الكل(نساء ورجالا.. شبابا وشابات) كان يرقص و يغني ويصافح الواحد الاخر بحرارة ونحن الفتيات لم نشعر بمضايقة الجنس الاخر لنا والتي كانت شائعة كثيرا جدا قبل الثورة، كانت الاشهر الاولى لثورة تموز زاهية جميلة احتضنت النشاطات الفنية والثقافية وازدهر المسرح بشكل عام، المناسبات الثقافية تعددت ،كان الشاعر الكبير الجواهري دائم الحضور في كل مكان ومناسبة ويضفي البعد الشعري القوي علينا كلنا ،خلال اعياد الميلاد ابواب بيوتنا في عرصات الهندية تبقى مفتوحة طوال الليل نستقبل الجميع غرباء او اصدقاء ونقدم لهم الحلوى والمعجنات( الكليجة) ،المحبة كانت واضحة فيما نريد وما نتمنى تحقيقه، ولكن ليس بالمحبة وحدها يحيا الانسان. صدور القوانين لا يعني بالضرورة تطبيقها فاحيانا تشرع قوانين لاغراض دعائية دون التقدم خطوة واقعية ملموسة لخلق المناخات التي تفرض تطبيقها وهذا ما كان يحصل والامية والجهل والمصالح الضيقة كانت اقوى.

محكمة المهداوي

شعرت بوضوح بان هناك وحشية مخيفة قابعة وكامنة في النفوس تريد ان تنفجر وتظهر، وهذا ما حدث اول يوم تموز وايضا خلال محكمة الثورة المعروفة بمحكمة المهداوي، التي كنت ارفضها تماما واقولها بصراحة واخشى ان ابوح بذلك الا داخل البيت، اذ كان لنا في بيتنا وهذا يعتبر نادرا في تلك الايام تلفزيون وينقل جلسات المحكمة مباشرة فكنت اغلق التلفزيون وارفض ان اشاهد مهازل المحكمة ، و عندما بدأ هناك توجه يشجع الطلاب او الناس على حضور جلساتها،رفضت ذلك رفضا باتا وبقيت اتتبع الهفوات اللفظية التي كان يقع فيها المهداوي والتي كنت اسمعها ضمن عملي في محطة اذاعة بغداد. لا اريد تخطي وقفات معينة وقفتها طوعا او غصبا، قبل الانتقال الى سنوات عصيبة لابد من الانعطاف عليها. منها عملي في الاذاعة العراقية وسفري الى موسكو وزواج اختي الشقيقة التي تكبرني والدعوة من قبل عمادة معهد الفنون الجميلة الى كل من يجيد العزف على آلة موسيقة كبادرة نواة للفرقة السمفونية.

نسمة منعشة

*كيف اصبحت حياة الطالبة امل بعد ثورة 14 تموز ؟وما رأيها بشخصية الزعيم قاسم ؟
السنة الاولى من جمهورية الزعيم كانت رغم دمويتها السياسية الا ان ابعادها الاجتماعية كانت تتراءى لي كنسمة منعشة منحت العراق اخضرارا والوان قوس قزحية واصواتا لموسيقى لم تألفها شوارع بغداد، اذ زهت بمهرجانات ومسيرات وامسيات ومؤتمرات وندوات احيت الشعر والموسيقى والنشاطات الفنية المتنوعة ، نسمة هبت على مجتمع كان اصلا منقسما ، فيه شريحة كبيرة راكدة ومهمشة وتجمع مخملي صغير نشط يتفاعل مع محيط اوسع من دائرته المحلية ويتطلع الى افق بعيد، وبيتنا كان يتأرجح بين الاثنين يتضامن مع المجتمع الكبير الراكد المهمش والذي اخذ يتحرك في تلك السنة الاولى بقوة وسرعة في اتجاهات متناقضة متنافسة متصارعة وبيتنا الذي ينتمي للشريحة المخملية الصغيرة التي بدورها انقسمت على نفسها ما بين مؤيد ومناهض للجمهورية وتداعياتها، انعدمت في هذا المجتمع الصراحة والشفافية والمواجهات الجادة المخلصة بعيدا عن المنافع الضيقة ولم يكن هناك ربان ماهر يدير ويوجه الدفة صوب الامان ،ولم تتغلب المصلحة العامة على النفع الذاتي ان كان فرديا او حزبيا او لنسميه ماشئنا.
بنشاط محموم وروح نقية صافية عملت مع اتحاد الطلبة ، الطلاب بشكل عام انطبقت عليهم مواصفات المجتمع الكبير المنقسم اصلا، والطبقة المخملية من الطلبة كانت تحاول جهدها ان تعمم ممارساتها على الشريحة المهمشة من مجموع الطلبة ، ولكن لا يمكن عزل فئة صغيرة عن المجتمع الكبير وانا كنت اؤمن بانني ساستطيع بلورة افكار تقنع هذا الجزء الحيوي من المجتمع بخلق اجواء فنية ثقافية ترفع من المستوى العام بعيدا عن عسكرة المجتمع والانجرار خلف تسييس الطلاب واستغلال التقاليد الاجتماعية بشكلها البعيد عن العرف الانساني وتسيير الدين وفقا للرغبات فقط، الا انني فشلت وربما كانت افكاري طوباوية خيالية وقعت انا تحت تاثيرها، فالتسييس والالتزام بتقاليد قائمة منذ قرون والاهواء في التلاعب بالدين بكل ابعاده والشعور القومي والخوف من المختلف والجديد كانت كالنار المتاججة تزداد ضراوة وحمقا وخبثا في اجواء مهزوزة غير واثقة من تطلعاتها ومنشغلة بانقساماتها ومنافعها الذاتية. اعود واقول عن عبد الكريم قاسم انه مثال للخلق والمحبة والنزاهة والشرف والاخلاص، احب العراق واهله واخلص لهم الا انه لم يفهم من السياسة وألاعيبها اي شيء ،عاش على فطرته وبساطته والسياسة تتطلب اكثر من عفا الله عما سلف. وكان هذا واضحا من اول يوم للاعلان عن الجمهورية بجريان دماء لا ضرورة لها، لم يعرف كيف يتصرف سياسيا في مثل هذا الموقف الصعب.

العمل في اذاعة الجمهورية

وهنا جاءت فكرة ان الاذاعة هي مجال جيد ومنبت خصب لتقديم افكار تعمم الوعي والشعور بالانتماء واقتنعت بهذا ، وكان امامي ان اتحدى والدتي مجددا وان اقف بعناد وصلابة ضد كل احتجاجاتها وعملت في الاذاعة كانت فترة خصبة ثقافية نخبوية، اذ حينها كانت هناك اسماء لامعة من عوالم الادب والمسرح والشعر والموسيقى والالتقاء بهم عن قرب خلال ساعات العمل أسهم كثيرا بنضوجي الثقافي ولكن اجواء الاذاعة كانت تحكم بالفكر العسكري والحاكم العسكري العام كان يقرر موافقته على استمرارنا بالعمل او لا وبشكل ما انسحب هذا على الفكر المسيطر على الاذاعة، وبناء على رفض الحاكم العسكري لتثبيت فترة عمل الكثير منا تركت العمل وانا اجرجر خيبتي.

أنموذج ثقافي عاجز

كل الابعاد الثقافية الخصبة لتلك الاسماء اللامعة التي تعلمت منها الكثير كانت للثقافة فقط، وليس لتغيير وتطوير المجتمع المبتلى بما ذكرت سابقا وحتى انها لم تكن القدوة اجتماعيا لتطبيق فكرة التجديد على مناحي مجتمعنا العراقي فلقد كانت هذه النخبة الثقافية العراقية ترضخ تحت نير تلك المعطيات التي افرزها الشارع والسلطة والاحزاب ، بل وحتى تستهلك نفسها بكل معاني الكلمة لتطبق ما هو تقليدي ومقبول اجتماعيا رغم انه يخالف تطلعاتها الفكرية او الايديولوجية والخ من هذه المصطلحات، فلم تكن النية متوفرة لدى هذه النخبة للتغيير العميق الذي يجب ان يتم بتأن وروية واصرار وتخطيط وذلك بتغير المناهج الدراسية من الروضة والابتدائية وتعميم المدارس لمحو الامية بشكل كامل وجذري ونشر الوعي الفني مع الاسراع في تطوير البني التحتية . صدرت قوانين وقفت لها وما زلت اجلالا ولكنها قليلة الفعالية والاثر تجاه الجهل المستشري وتعالج النتائج لا الاسباب.
انا اتعمق في البحث عن السبب وهذه الخاصية فيّ ما زالت قائمة عندي من اين اتتني وانا في تلك اليفاعة لا ادري هل هي الجينات الاوروبية الموروثة التي تبحث عن السبب لتصل الى النتائج ؟ تطوعت بمدارس محو الامية وجدتي كانت تلميذة في الصف الاول الابتدائي واخذت تقرأ وتتمتع (بفك الخط) الا ان المعوقات وضعت امامنا بكل وحشية وهمجية وبتعمد ظاهر لتفشل الحملة.
كل نقاشاتي ومداخلاتي واقتراحاتي لم تؤخذ بشكل جدي واحيانا كثيرة تسخف نظرا لصغر سني ،مقارنة بجيل اكبر مني اغلبه خرج من السجون او عاد بعد الاختفاء لاعوام طويلة ،وانا ابنة تلك الطبقة البرجوازية كما كان يطلق علي ،اتفلسف واطلب محو الامية الالزامي واعادة النظر في المناهج التعليمية واسلوب التدريس والدعوة الى اعمار البلد بسرعة والخ من احلامي تلك التي تطالب بوجوب تطبيق هذه المقومات على الجميع و للجميع ولتصل الى ابعد واعمق نقطة في خارطة العراق. والغريب انني ما زلت اؤمن بفكرتي هذه.

اختي عازفة البيانو

كانت اختي الشقيقة والتي تكبرني بنحو الستة اعوام شريكتي في تطلعاتي تلك
تعلمت منها الكثير، لم تكن اختي فقط بل كانت شريكة الروح والملهمة والموهوبة بشتى المجالات المتميزة بكل الصفات من الجمال الى الاناقة الى الذكاء والمرح والقابليات المدهشة، كانت هي طالبة ايضا، اردت لها ان توسع افق دراستها بتعلمها العزف على البيانو وان تشارك في مسرحيات يقدمها معهد الفنون الجميلة فهي اوفر مني قابلية لتلك التطلعات وحاولت ولكن التقاليد والمجتمع والافكار التي غلفت بيتنا سدت عليها كل تلك المنافذ، سكتت هي لم تقاوم ولم ترفض بل ركعت على العكس مني وتحدياتي ، وتقدم من تقدم للزواج منها ورفضت ولكنها رضخت واستسلمت في النهاية لزواج غير متكافئ فكريا فقط ،وانهار عالمي التخيلي،الذي كنت ابنيه معها ،انا فنانة تشكيلية وهي عازفة بيانو او ممثلة مسرحيا للثنائي الجميل في مخيالي المفعم بالشباب والطموح والافاق الواسعة الرحبة، حينها تركت البيت الذي اصبح فارغا خاويا من الالهام والاندفاعات لمستقبل واعد وانتقلت الى القسم الداخلي الذي كان في الوزيرية اولا وفي شارع الزهاوي بعد ذلك، لم احتمل عدم وجود اختي الموهوبة بعيدة عني فلقد تعلمت منها الكثير جدا واصبح عالمي خاليا ممن يساعدني على النضج وغابت كل المعاني وتلاشت الطموحات. اما هي فانقلبت الى مجرد زوجة لرجل ما تأتمر بامره وتتخبط بحياة لا اثر لها للثقافة او السمو او جمال الفنون ، عالم مادي جاف عقيم، واخذت تبتعد وتتلاشى من حياتي الا نفحات ولقاءات لا جدوى منها ، فهي حبيسة جدران مجتمع تقليدي لا نسمة تمر عليه لتنعشه وتبدد تلك الاجواء المتيبسة الروتينية والجافة.

كنت احلم بنفحة من الحياة ،تطلعاتي خابت كلها احلامي تلاشت ،رغم ان والدي انكليزي ووالدتي من طبقة متنورة ولكن بيتنا كان تقليديا جدا، بالاضافة الى ان مرض والدتي العصبي اذ كانت تعاني من داء الكابة مع فترات من الانهيارات العصبية، جعل الحياة معقدة وصعبة بالاضافة الى انها كانت تعاني الكابة لفترات طويلة جدا ، وهذا المرض بطبيعته يخلخل التوازن النفسي واصدار الاحكام العقلانية وينعكس سلبا على الاجواء العائلية، فاحيانا بيتنا يتمتع باجواء طبيعية واغلب الاحيان كانت تتحكم بمحيط العائلة اجواء قلقة عصبية و متعصبة الى اقصى حد مما جعلني اتساءل لم تزوجت والدتي من رجل انكليزي ورفضت ابن عمها العربي الذي هي وهو يفتخران بالنسب العربي، اليس هذا خروج على المتعارف عليه ولم تريد فرض المتعارف عليه على كل العائلة ؟ زواجها كان فلتة غير طبيعية وربما وجدت انها تعدت وطفرت الحواجز والجدران ولم تريد لنا ان نقوم بما قامت به ام هو الغرق في التقاليد والعودة لها تكفيرا او خوفا ورعبا من المجهول المتحرر؟ وايقنت ان والدتي نموذج مصغر للفرد العراقي يحاول الوصول الى نقطة ما، وما ان يصلها حتى تسحبه التقاليد والاعراف الاجتماعية بشدة الى الخلف.

مؤتمر الشبيبة في فيينا

هنا وجدت فرحة اخرى وهي ترشيحي عن الطلاب بمؤتمر الشبيبة العالمي في فيينا،رشحت من قبل اتحاد الطلبة للسفر ضمن وفد الشبيبة، وكان هناك خيار ان الانضمام الى الوفد الفني ضمن الوفد العام،طبعا الوفد الفني كان خياري بدون تردد ذلك يعني ان انضم لفرقة الدبكة او الفرقة الموسيقية وبما انني لا اعرف العزف على اي الة موسيقية لذا وافقت ان اتعلم الدبكة خلال فترة قصيرة وكان امامي خيار اي دبكة العربية ام الكردية او الاشورية الارمنية وطبعا العربية كانت خياري ،فعلا ارتديت الفوطة -الجرغد -الهاشمي وفضلت ان يكون هذا الزي ملبسي طيلة ايام المهرجان.شاركت نخبة جميلة من الشابات والشباب قدمنا دبكات عربية في اهم قاعات الفنية في فيينا،الجمهور كان خياليا في تقبلنا \ دعمنا، رغم ان الاجواء السياسية العالمية مشحونة في فيينا بعد الاحداث بين الاتحاد السوفيتي وتدخله في هنغاريا وبين الدعاية الاميركية ضد ذلك المهرجان، الا ان الشعب النمساوي - الفيناوي ترك السياسة جانبا وتقبلنا كشعوب ترعى الفنون وتحبه ، في فيينا كان اخي ارشد وخالي لويس زنبقة يتنعم بمجده وتكريمه من قبل الزعيم عبد الكريم قاسم لتاليفه السلام الوطني العراقي للجمهورية الوليدة، وكان يعزف في كل مناسبات المهرجان، كم كنت فخورة بخالي، الا ان هذا المهرجان لم يترك اي اثر على الوضع داخل العراق، اذ حدث وعبر بصمت في حين تلقفته الجهات الاخرى المعادية بكثير من العدائية – التحقير لم تكتف بذلك بل شوهته الى ابعد مدى ثم نعتته بصفات قبيحة.


 
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com