... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مذكراتي وحوار الذكريات

 

 

فاضل الجمالي في المنفى

عدد المشاهدات   1625
تاريخ النشر       25/02/2015 06:23 PM


نبراس الذاكرة


 
في شتاء العام 1982 وأثناء حضوري تجمعا ثقافيا أكاديميا في العاصمة التونسية، التقيت برجل كهل مهيب الطلعة أشيب الرأس واللحية، قدمه لي صديق وهو يقول: أقدم لك الدكتور فاضل الجمالي، فأصبت بصدمة وذهول لم أصح منهما إلا على كلمات الجمالي وهو يرحب بي، وعندما علم اني عراقي دعاني على الفور الى داره، وذهبت إليه بحسب الموعد في منطقة سيدي بو سعيد في أطراف العاصمة، وعندما دخلتها وجدتها دارا متواضعة إلا أنها جميلة وكل شيء فيها مرتب بطريقة تعكس ذوقا وثقافة عاليتين، ويلف المكان الهدوء والسكينة، وبالرغم من فارق العمر بيننا إلا أن عرى الصداقة عقدت بيننا، فكنت حينها في ريعان الشباب وهو كهل تجاوز الخامسة والسبعين، إلا أنه لا يزال متوقد الذهن منتصب القامة إلا من انحناءة بسيطة أعلى ظهره أضافت إليه وقارا وهيبة، وله لحية بيضاء حول ذقنه وشيب خفيف أعلى رأسه، ويحمل أحيانا باكورة بيده لا يحتاج إليها، وكان عندما يتحدث فبهدوء وأفكاره واضحة، ولاحظت انه بين الفينة والأخرى يسرح بعيدا الى عوالم لا يعلمها الا الله بصمت عميق، إلا أني لم أسمعه يتحدث بلهجة الشكوى أو اللوم من أحد بالرغم مما هو فيه، سوى مرة واحدة عندما ذكرت محكمة المهداوي والتهم التي وجهت له ففندها بالأدلة والشواهد وخرج بنتيجة محددة من أن كل التهم كانت على العكس تماما، وانه عمل من أجل العراق والأمة بكل إخلاص، وأن المحكمة قلبت الحقائق بدوافع سياسية.
وبعد فترة اكتشفت أن للجمالي مجلسا يعقد في داره يقصده أرباب الثقافة والفكر، تطرح فيه مختلف الموضوعات والحوارات بشكل هادئ ورصين، وعندما يحتد النقاش وتختلف الآراء كان يتدخل بفصاحة لحسم النتائج بكلمات وآراء تدخل القلوب قبل العقول، حتى اني تخيلت وكأني في مجلس فض المنازعات الفكرية وإصدار الأحكام المعرفية. فأيقنت حينها ان الإنسان مهما جرد من عناوينه وسلب من حقوقه ومن كل ما يملك، يبقى لديه شيء لا تستطيع أي سلطة استلابه منه ألا وهي الشخصية والثقافة، فهما من الممتلكات الأبدية.
مكانة الجمالي في تونس


سمعت الكثير عن الجمالي في تونس وعن مكانته المحترمة هناك، إلا أن ما شاهدته هو مكانته الثقافية في مجلسه آنف الذكر، كما سرد لي بعض التوانسة قصصا عن فضله في استقلال تونس، ورويت لي قصة مفادها ان الجمالي أثناء تمثيله للعراق كوزير خارجية اتصل به الحبيب بورقيبه طالبا المساعدة، ولبى له النداء بدعمه في المحافل الدولية، ثم اقدم على خطوة جريئة بمنحه الحبيب بورقيبة وثلاثة من رفاقه جوازات سفر عراقية وأدخلهم معه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة على أساس انهم من تشكيلة الوفد العراقي، ما أتاح لهم شرح قضيتهم للعالم وإحراج فرنسا أمام الرأي العام، وأدى ذلك مع عوامل اخرى الى نيل تونس استقلالها، وفي الوقت عينه استفاد الحبيب بورقيبة بتعريف العالم على شخصيته ليكون رئيسا في ما بعد. لهذه الأسباب وغيرها سعت تونس والمغرب بكل قوة الى الإفراج عنه أثناء أزمته بعد ثورة 1958، ومما سمعته ايضا ان اسم الجمالي أطلق على أحد الشوارع، إلا أن المفاجأة كانت أكبر عندما صادف العيد الوطني التونسي، إذ خصصت فقرة خاصة بالجمالي في استقبال الرئيس للمهنئين، ولعل ترتيبه كان قبل الكثير من الشخصيات المهمة في الدولة والبعثات الأجنبية.

اسم فاضل الجمالي الكامل هو محمد فاضل اسمه مركب ابن الحاج عباس الجمالي ترجع أصولهم الى آل شيبة، من أهالي الكاظمية، ولد سنة 1903، درس الابتدائية ثم دار المعلمين في عمر مبكر على أقرانه، وعرف باجتهاده وجديته في الدراسة وأثبت تفوقه، فأرسل في بعثة الى الجامعة الأميركية ببيروت درس فيها الفلسفة والعلوم النفسية، وأكمل في ما بعد دراساته العليا ونال الدكتوراه سنة 1932. من جامعة كولومبيا في نيويورك.


ميعاد شرف الدين الكيلاني

 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com