... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مذكراتي وحوار الذكريات

 

 

لم أجد في صوفيا رجلا يرتجف من البرد

عدد المشاهدات   1395
تاريخ النشر       10/02/2015 05:51 PM


نبراس الذاكرة
لم أجد في صوفيا رجلا يرتجف من البرد أو متسولا ينام في الشوارع 

 
الرحلة إلى صوفيا

* لنعد الآن الى سؤالنا الاصلي المتعلق بتجربتك في البعثة الدراسية الى صوفيا بعد العام الاول لثورة 14 تموز ؟

- بدءا اقر انني انتفعت من التوسع الكبير بعد ثورة 14 تموز في ارسال البعثات والزمالات الى الخارج ، وما كان لي ان افوز بتلك الفرصة لولا ذلك التوسع .
كنت في العهد الملكي احلم بزيارة بلد اشتراكي ولو لمدة شهر، من ذلك لك ان تقدر ما الذي مثله لي حصولي على بعثة دراسية الى بلد اشتراكي حين قرأت اسمي بلوحة الاعلان في دائرة البعثات، تكتمت على الخبر خشية ان يعترض الاهل على سفري لصغر سني (كان وقتذاك 17العام) وانجزت المعاملة ولم اخبرهم الا حين احتجت الى كفيل ولم يعترض الاهل على سفري بل رحبوا به ودبروا لي كفيلا على وجه السرعة.سافرت بالطائرة صبيحة يوم الخميس المصادف 1959/11/5.وتوقفنا لليلتين في بيروت وواصلنا سفرنا الى صوفيا في 1959/11/7 صادف وصولنا الاحتفال بثورة اكتوبر وكانت صوفيا قد ارتدت حلة قشيبة من الاعلام الحمر وصوراً كبيرة لكارل ماركس وانجلس ولينين وستالين (لم تكن قد ازيلت بعد) والقادة الشيوعيين البلغار ديميتر بلا غلايف وجورجي ديمتروف ورئيس بلغاريا الجديد (انذاك) تويودور جيفكوف وغيرهم وكنا نتداول بعض تلك الصور في العهد الملكي سرا وبشغف.

حلم رائع

امضيت الشهر الاول في صوفيا وانا في حلم رائع لاتغادر صوره الحلوة ذاكرتي حتى الان، لم اعان كبعض الطلبة العراقيين ما يسمى بمرض الحنين الى الوطن ( Homesickness) لدرجة انني نسيت في الاسبوع الاول لوصولي ان ارسل الى الاهل رسالة اطمئنهم فيها على وصولي سالما الى صوفيا .كنت ارى كل شيء من حولي جميلا وخاصة شوارع مركز صوفيا المبلطة بحجر اصفر نظيف والحدائق التي تنتشر في كل ارجاء المدينة وانطبق عليّ قول الشاعر ((عيون الرضا عن كل عيب كليلة ))وكنت استفز عندما كنت اسمع بعض النقد يوجه الى بعض جوانب الحياة في صوفيا واسارع الى ايجاد التبرير.وفي مقدمة التبريرات انه لم يكن قد مر على التحولات الاشتراكية الا عقد ونصف العقد من الزمن وعندما كان البعض يتهمني بالانحياز المطلق لتجربة البناء الاشتراكي في بلغاريا كنت لا انكر ذلك، فالانحياز الى مبدأ العدالة الاجتماعية مع مايصاحبه من تقشف وشظف عيش خير من التمسك بمظاهر الرفاهية التي تخفي وراءها التمايز الطبقي الحاد واعراضه البغيضة فانا لم اجد في صوفيا رجلا يرتجف من البرد او متسولا او انسانا ينام في الشوارع من دون مأوى، المأكل رخيص والمواصلات العامة رخيصة ومتوفرة.

ما بين الروس والبلغار

* هل كانت التجربة الاشتراكية في بلغاريا نسخة طبق الاصل من التجربة السوفياتية وهل كان البلغار يشعرون بالتبعية الى الروس ويتطلعون الى التحرر منها؟

- ربما لفت انتباهك ان حوادث التمرد التي حدثت في معظم البلدان الاشتراكية مثل (هنغاريا وجيكوسلوفاكيا وبولونيا) لم يحدث مايشابهها في بلغاريا .
ثمة وشائج تاريخية تربط بين البلغار و الروس فهما ينتميان الى العرق السلفياني نفسه وابجديتهم تكاد تكون متقاربة الى جانب تشابه الكثير من المفردات اللغوية .وقد ساعدت روسيا البلغار على التحرر من السلطنة العثمانية التي استمرت زهاء اربعة قرون وذلك في الحرب الروسية – التركية 1877 – 1878 وابان دحر الجيوش النازية في الحرب العالمية الثانية لعب الجيش السوفياتي دورا مميزا في طرد الجيش الالماني من بلغاريا ماساعد الفصائل الثورية البلغارية على القيام بانتفاضة 9 ايلول 1944.
كل هذه الوقائع التاريخية جعلت البلغار مدينين للروس بتحررهم مرتين من السيطرة الاجنبية.
خلاصة القول البلغار لم يقلدوا التجربة السوفياتية بحذافيرها فلم يؤمموا الارض مراعين تعلق الفلاح البلغاري بقطعة ارضه،بل عمدوا الى أشاعة الحركة التعاونية الزراعية، وعلى المستوى السياسي لم يتخل الحزب الشيوعي البلغاري عن تحالفه مع حزب الفلاحين ولم يعتمدوا نظام مجالس السوفيات بل اعتمدوا نظام التمثيل البرلماني .وما تجدر الاشارة له ان الفكر الاشتراكي الماركسي وجد ترويجا له بوقت مبكر في بلغاريا بثمانينيات القرن التاسع عشر بفعل مؤسس الحلقات الماركسية ديتمير بلاغوييف (1856 – 1924).ولكل هذه العوامل مر البناء الاشتراكي في بلغاريا بظروف افضل واقل توترا منها في البلدان الاشتراكية الشرقية الاخرى، والدليل على جماهيرية الحزب الشيوعي البلغاري انها قد استمرت بعد انهيار التجربة الاشتراكية سياسياً. في خريف 1993 التقيت الصديق الصحافي الراحل فرات الجواهري (وهو ضليع في الشأن البلغاري لانه امضى عقدين من الزمن في بلغاريا) افادني ان الشيوعيين سيفوزون في الانتخابات ولكن لن يكون لذلك الا دلالة رمزية وحسب، فلن يتمكنوا من ان يفعلوا شيئا مع انهيار المنظومة الاشتراكية بالكامل.. وهذا ما حدث فعلاً.

اقتصاد مستقر

خلال الحقبة التي امضيتها خلال دراستي الجامعية ، والعليا لاحقا (1959 – 1974) لم الاحظ ان الاقتصاد البلغاري قد شهد هزات تذكر ، رغم التوتر في مرحلة التصنيع ، والثقيل منه خاصة.ويتبين ذلك من أن العملة البلغاريا (ليفا) قد حافظت على قوتها الشرائية ، على الرغم من تدني سعر صرفها ازاء الدولار في السوق السوداء ، لقد تحولت بلغاريا بفضل البناء الاشتراكي من دولة زراعية الى دولة صناعية زراعية.
تحول وتحديات شخصية

على المستوى الشخصي مثلث دراستي في بلغاريا محطة تحول عظيمة الاهمية ،لاسيما انني كنت في بداية تشكلي المعرفي ، دأبت على تعلم اللغة البلغارية ولاحقاً الروسية (كلغة ثانية) وانخرطت في الدراسة بجدية ولم اتعامل مع المواد الدراسية بصورة منهجية ، بكل ما كانت تمثل لي الاطار الفكري الذي احرص على تكريسه ، لاسيما ان دراستي كانت في معهد الاقتصاد العالي ( كارل ماركس) وفي اختصاص مؤدلج مئة بالمئة ، وهو (الاقتصاد السياسي ) لقد كانت دراسة كتاب رأس المال لكارل ماركس تحديا خضته بمتعة.
التحدي الاخر الذي واجهته على المستوى الشخصي العاطفي ، هو تفادي الزواج من بلغارية بأي ثمن، وما ازال موقنا من ان الزواج من اجنبية في ظروف العراق الاجتماعية والسياسية يمثل ورطة فلا انت قادر على ان توفر لها بيئة عيش مناسبة تعوضها عن موطنها ولا هي قادرة.الا فيما ندر. ان تندمج بالمجتمع العراقي وتنصاع الى تقاليده القاسية واذا اضفت الى هذا وذاك ، الاحداث السياسية التي مر ويمر بها العراق يكون الزواج بأجنبية محض حماقة ، اللهم الا اذا قررت ان تعيش معها في بلد آخر.
لقد كان للسنوات التي قضيتها في بلغاريا عيشا ودراسة اثر كبير في تشكيل الملامح المعرفية ، والثقافية لشخصيتي . الان وبعد مرور اربعة عقود على مغادرتي لها ، لا تزال تلك الحقبة تمثل مرجعية معرفية لي تمتد تداعياتها حتى الان , وتترك بصماتها فيما اكتب.
دأبت على زيارة مسارح صوفيا بمعدل ثلاثة عروض شهرياً ، بما في ذلك الاشهر الاولى حينما لم اكن عندها اجيد البلغارية وقد اثرى ارتيادي الدؤوب للمسرح لغتي البلغارية ، ما أمكنني في بحر سنتين من ترجمة مسرحيات عربية الى البلغارية وقدمناها في الامسيات التي كنا نقيمها في المناسبات الوطنية وكنت اتولى اخراجها والمشاركة في تمثيلها هذا فضلاً عن ترجمة الاغاني العراقية الى البلغارية، وكان الجمهور البلغاري يستقبلها بارتياح واقدمت مرة على نظم قصيدة بالبلغارية ، وكانت تعبوية تدعو الطلبة العراقيين للعودة الى الوطن لاسيما أن ظروف الاضطهاد التي خيمت على العراق بعد 8 شباط 1963 جعلت الكثير من الطلبة يترددون في العودة الى الوطن، واقتبست القصيدة بيت من شعر الثائر البلغاري خريستو بوتيف ، فأثار لدى الجمهور البلغاري موجة من التصفيق الحماسي ، لانه غازل مشاعرهم القومية وقد نشرت صحيفة المنبر الطلابي القصيدة واشادت بها.

الصدمة القاسية

* الى اي حد كانت التحولات السياسية الدموية في العراق تنعكس بظلالها على طلبة البعثات ،لاسيما المتواجدين في البلدان الاشتراكية من امثالك .. وكيف تلقيت نبأ سقوط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وانت تنحدر من عائلة يسارية التوجه ومن بين اخوتك من كان شيوعيا ؟

- على المستوى الشخصي ، انني لم اعش من حقبة ثورة 14 تموز الا العام واربعة اشهر فقط ، وسافرت الى صوفيا بعد محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم بزهاء الشهر بمعنى اني لم اواكب القسم الاكبر من حكمه وكان المصدر الاساس لمواكبة مجريات الامور في العراق هي نشريات وادبيات الحزب الشيوعي العراقي لاسيما ان تنظيماته كانت مهيمنة على منظمات الطلبة العراقيين خاصة في البلدان الاشتراكية.
شكل نبأ انقلاب 8 شباط 1963 واعدام الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه صدمة قاسية لي ولم اتمكن من استيعاب الحدث الآ بعد اسابيع ، عندما بدأت بالوصول انباء عن انهيار بعض الرموز القيادية في الحزب الشيوعي العراقي ، وكنت قد احطت بعض تلك الرموز في ذهني بهالة قدسية وقدرات اسطورية على الصمود ، تصورت ان بيتنا قد نسف بمن فيه ، لاحقا وصلتني انباء عما حل بالعائلة من اعتقال وتشرد والخبر المفجع باستشهاد اخي الشهيد محمد تحت التعذيب وكان في المرحلة الاخيرة من كلية الطب.

هاربون من فاشية الحرس القومي

في صيف العام 1963 وصلت الى صوفيا اعداد كبيرة من العراقيين الهاربين من جحيم الحرس القومي، وبعضهم كان من النهازين للفرص، للحصول على فرصة للدراسة في البلدان الاشتراكية ، وقد نقل القادمون انطباعاً شائعاً بين الناس في العراق مفاده ان تنظيمات الحزب الشيوعي بالخارج تمثل جيش الثورة الاحتياطي ، ولم اكن متيقنا من صحة ذلك التقدير ، لان من يعيش بعيداً عن نار الاحداث ، من الصعوبة ان يصمد اذا وجد نفسه على حين غرة في أتونها وتحت قسوتها ، الا ما ندر ، ورفعت التنظيمات الحزبية والطلابية شعار العودة الى الوطن ومما جلب نظري ان بعض المتحمسين لهذا الشعار راحوا يخونون من يبدي تردداً في العودة ، ومن المفارقة ان نفس اولئك المتحمسين انفسهم اختلقوا الذرائع للتخلف عن العودة واستغلوا علاقاتهم مع البلغار للبقاء بحجة اكمال الدراسات العليا ، واغلبهم كانوا متزوجين من بلغاريات ، ومع ذلك فإن عدداً ليس بالقليل من الطلبة قد عاد الى العراق .. وكنت منهم

العودة إلى بغداد

عدت الى العراق في حزيران 1965 بعد غربة دامت ست سنوات متصلة، واجهت عند وصولي عائلة مدمرة ،فوالدي وجدته مسجا على فراش المرض ، وكان اخي الاكبر يعيل العائلة الى جانب عائلته ، وهو بمرتب معلم ابتدائية ،كنت في حينه متوجساً في كل شيء ، كنت اتوقع في كل ساعة ان يلقى علي القبض لكوني خريج دولة شيوعية وانتمي الى عائلة يسارية ،حاولت ان الملم نفسي والسعي لايجاد فرصة عمل، وجهت دائرة البعثات اعماماً الى الوزارات كافة لتعييني بحكم العقد المبرم بيننا ، بيد ان الإعمام لم يجد نفعاً فلم توافق اية دائرة حكومية على تعييني ، ذات مرة همس في اذني موظف ظريف في دائرة البعثات قائلا: لا تتوهم ان دائرة حكومية تقدم على تعيينك ،فالكثير من النقاط ليست في صالحك : اولها انك خريج دولة اشتراكية المعروف عنها انها مأوى للشيوعيين العراقيين ثم ان اختصاصك هو الاقتصاد السياسي ، ومن معهد يحمل اسم كارل ماركس وانك انهيت دراستك بدرجة امتياز ، ما يعني انك قد استوعبت المذهب الماركسي جيداً ، فضلاً عن ذلك فأنت شيعي ومن مدينة الكاظمية ، ومن عائلة يسارية .. احمد ربك انك لست وراء قضبان السجن.

مراقبة وتقارير

في نهاية العام 1965 التحقت بكلية ضباط الاحتياط (الدورة العشرين الوجبة الثانية والتي ضمت اكثر من تسعمائة خريج) بعضهم مؤجل من العام 1963 ويبدو ان تقريراً من مديرية الامن كان قد رفع عني يشك في كوني عضوا في الحزب الشيوعي العراقي من دون بينات ،كما قدرت لاكون تحت مراقبة استخبارات الجيش. بعد مدة شهر من التحاقي دعاني الى مقره آمر الكلية العميد الركن سعدون حسين لمقابلته والحق اقول انه كان دمثاً معي ، ولم يحاول استفزازي وحاورني في بعض قضايا السياسية الدولية ولم يتطرق الى الشأن العراقي كنت حذراً ومرنا في كلامي . توقف برهة وقال لي: امامي تقرير من الأمن العامة يقول انك عضو في الحزب الشيوعي العراقي.. انت ماذا تقول؟ اجبته بابتسامة قائلاً :

- سيدي اجابتي لن تكون نافعة.. فإذا كنت حقا عضواً في الحزب الشيوعي العراقي فلن اعترف امامكم ومن جهة ثانية فأنك لن تصدق انكاري وان كان صحيحاً. ضحك وقال انت على حق ولكنه تحول فجأة الى نبرة جادة – اذا تأكد لنا انك تمارس نشاطاً سياسياً في الكلية سنتخذ ازاءك اجراء مهيناً .. لا تتصور اننا سنسرحك بل نخرجك نائب ضابط وليس ضابطاً كاقرانك . فقلت له : - سيدي : مخابراتكم هي الحكم.

فعلق بسخرية : - دع مخابراتنا الخائبة .. فأنتم اذكى وامكر منها. وانتهت المقابلة.
تخرجت ضابطاً وامضيت خدمة الاحتياط بمرتب مجز ، لان مرتب الضابط (ملازم ثاني) في منطقة حركات (كنت في القاطع الشمالي) اكثر من ضعف مرتب الخريج الجامعي الذي يتعين في دائرة مدنية وعشت على مدخرات ذلك المرتب حتى تعينت في تموز 1968 في شركة التأمين الوطنية عشية انقلاب 17 تموز.


حوار وتحرير: توفيق التميمي

 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com