... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة المكان والمدن

 

 

الأهوار سحر الطبيعة ومواويل الجمال.. الجاموس دليل وجودها

عدد المشاهدات   2084
تاريخ النشر       07/11/2014 04:27 PM


نبراس الذاكرة


عنوان ميسان الرئيس هو اهوارها ،وتلك المسطحات المائية وماتنعم به من سحر الطبيعة جعلها رافدا للاغنية الشعبية والشعر العامي بجميع صنوفه،وقد يسأل احدهم ويقول: لماذا من هناك صدحت تلك الاغاني وصيغت شوارد الشعر بدارمياته ومواويله وزهيرياته واهازيجه ،اقول واجزم على  ذلك القول: ان من يولد ويرى نفسه بكاروك محاط باغاني الدلول، ومن يجاور اناشيد البلابل والعصافير وتصفيق اجنحة الطيور وهي تداعب بسيقانها مياه الاهوار،ومن يسمع موسيقى النسيم التي تنبعث من بين رقصات القصب وهو يغازل قطعان الجواميس،ومن يشم رائحة العافية من عطر الخبز الفوّاح من وسط التنور الطيني،ومن لا يفارق مخيلة انفه(شعواط الموكد)،ومن لايعرف غير الطبيعة صديقا اثيرا عليه واجب احترامها،الطين امبراطور يتحكم في ابسط مفردات حياة عوائل الهور، فطابك سمكه(ماعون مسطح من الطين يشوى عليه السمك) وتنور خبزه وحتى بيته من طين ،ليعيش وسط الطين ومن الطين ،كيف لايصبح ذلك المحظوظ شاعرا او مطربا او رساما او مالكا ومليكا للفن؟
سلطة القصب


فهناك وسط اهوار الجنوب او الجنون لا فرق كلاهما متشابه يولد الابداع ويتغذى ويصهر وينفجر كل يوم مع صرخة كل ولادة جديدة بصوت سحر الطبيعة"ياصاح انه الهور لو جار الدهر صاحبك....سكران بمودتك مايوم انه صاحبك"فكيف لا ينتج؟،وللهور ملامح رئيسة لا ولن يمكن التغاضي عنها او تجاهلها،لكونها الثالوث المقدس بسلطته على حياة المعدان،نعم فثلاثية تميزه وجذبه هي القصب والجاموس والسمك ،فمن غيرهن لا يمكن ان ترسم لوحة للهور ،ولايمكن ان ترى الهور اصلا،واقول والعهدة على القائل وهو انا هل يمكن ان تعرف الهور بلا صرائف بلا سجاد بلا موائد بلا مشاحيف او مجاذيف او مناجل تبحث عن رقاب سنابل الحياة،او اريكة عروس جديدة، اجبرها مضيف الشيخ القصبي على الزواج من غير حبيبها؟ هل يمكنها ان تتدفأ على منقلة سيل الدموع التي تجلب لها الدفء في اقسى ليالي الشتاء"المؤكد لكونه من نباتات برية مسيلة للدموع ومعطية للصحة" فمن غير القصب لايمكن ان تستمر الحياة هناك ،ولايكون لتلك المفردات الحياتية وجود وسط ذلك العالم البهي.


الأصل الحقيقي للمعدان 


لا نريد ان نتحدث عن كل شيء في مدن الماء ،لأن ذلك يحتاج الى الف قاموس وذاكرة لتنقش على ذاكرة التاريخ كل شيء،لذلك سنتحدث عن الجاموس فقط هذا الحيوان الكريم والزعيم لتلك البقعة الجغرافية من روح الوطن. 
النظام السابق اتهم اهل الهور بأنهم جاءوا مع الجاموس،بل وصل الاتهام للمعدان بانهم غير عراقيين ،وحتى ننصف هؤلاء الاصلاء نقول: ان المعدان بالاصل هم من احفاد الحضارات السالفة التي اصلها من العراق وكانت موجودة قبل الفتوحات الاسلامية ،وقد اشار الى ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في كتابه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"بقوله: ان المعدان طبقة من المجتمع العراقي  سكنت الاهوار منذ قرون قديمة ،وهم يستندون في معيشتهم على وجود الجواميس،بينما يطلق البعض عليهم كلمة المعدان لكونهم محاربين اشداء فيسمونهم بالمعاديين وهذه التسمية اطلقها عليهم العثمانيون والانكليز،ولكن الكثير من الباحثين يقولون ان كلمة المعدان جاءت من المعدن ،اي انهم معدن العراق وحضارته،وبعض المؤرخين يقول: ان كلمة المعدان تعني سكنة الشرق وأصل الكلمة اكدية  ومعناها (مدنحو)واصبح لفظه بالاشورية (مدنخا)وفي السريانية "مدنحا" اما في لغة الصابئة فالشرق يعني "مادنا"والمشرق يعني "مادانا"ولذلك يصح القول: بان المعدان هم سكنة الشرق وليس الطارئين او الجهلة كما هو متعارف عليه من بعض الحاقدين.


الجاموس ورسومات كلكامش


قلنا منذ البداية ان الجاموس من الحيوانات التي ارتبط وجودها بوجود الاهوار واصبحت علامة مميزة له منذ آلاف السنين،وكما اتهم مالكوه المعدان بانهم جاءوا من الهند نقول: ان الرسومات الاثرية تشير الى غير ذلك وتؤكد بما لايقبل اللبس برسومات تصوّر لنا كلكامش وهو يقوم بمصارعته ،ومع مرور الزمن استطاع السومريون تدجين ذلك الحيوان الذي كان في يوم من الايام متوحشا قبل خمسة الاف عام،ليكون الرفيق والصديق الاثير لاهل الشرق او مانطلق عليهم بالمعدان.
والمثير في هذا الحيوان الكبير في الانتاج والطاعة انه لايحتاج الى دليل بهدايته الى مرعاه او حين رجوعه الى بيت مربيه،وعلى الرغم من ضعف بصره لكنه من المستحيل ان يتيه عن بيت صاحبه فهو كالطير المتفرس الذي لايمكن ان يضيّع ملامح موقع قفصه فقد اعطاه الله حاسة شم غير طبيعية يتمكن من خلالها العودة الى مكان مبيته اليومي من غير دليل او راع، كما تفعل بقية الماشية او الابل ، ولذلك تسمى عند اهلها بالمهدودة ولذلك يقول احدهم متمنيا (يربي اتوسلك بالفين مهدودة ..ومثلها من البقر ياربي موجودة...وسفرة دايمة بالسمج ممدودة).


كميات كبيرة من الحليب


الجاموس حيوان غير وحشي بعد ان دجنه السومريون وهو من جنس البقر ضخم الجثة قرونه محنيّة  إلی الخلف  و إلی الداخل يربّی لدر اللَّبن ،الذي يشتق منه العديد من المشتقات الاخرى،وعلى الرغم من كونه ضعيف البصر والسمع ولكن حاسة الشم لديه قوية جداً،وتشير الدراسات الى ان هذا الحيوان يعيش لفترة طويلة تصل إلى 23 عاماً ويتغذى على الأعشاب والنباتات الموجودة وسط الاهوار،وحليب الجاموس لايماثله حليب أي حيوان آخر من حيث القيمة الغذائية العالية فمنه ينتج القيمر والزبد والدهن الحر واللبن عالي الدسومة.،  وبالاضافة لكون الجواميس  تعطي كميات وفيرة جدا من الحليب فهي تحتاج الى كميات غير قليلة من الغذاء،وانها لا تقتات على نبات معين بطعامها بل تعيش على ماتجده من نباتات وسط ذلك الهور وما يهمها هو الماء الذي تجلس به لساعات طويلة وكأنها وليدة الماء وعاشقته حالها حال طيور الماء، ومن اهم النباتات التي يتغذى عليها"البردي وهو نبات الاهوار الرئيس الذي يستخدم في بناء بيوت القصب،وكذلك نبات الجولان الاخضر ويعتبر من النباتات المفضلة للجواميس،وكذلك القصب  ونبات النسل ذو الاغصان الشائكة الاطراف المشابهة للعاقول والحلبلاب والعنكر والمران.


زيادة في اعداد الجواميس


القلق الذي تسبب به تجفيف الاهوار في ايام النظام السابق وتضاؤل اعداد قرى وحياة الاهوار لايزال موجودا الى الان ،وحتى عند رحالة الغرب الذين كتبوا عنه في العهود السابقة  من امثال كافن يونغ مؤلف كتاب العودة الى الاهوار الذي قال  :(( ان أعدادا كبيرة من القرى إزيلت من الوجود والله وحده يعرف مصير سكانها،إن قلبي يخفق خوفاً حين أفكر بذلك، فالاجتثاث المفاجئ الذي تحدثت عنه تحقق فعلاً،هل انقرض عرب الأهوار؟وهل قبرت آلاف السنين من تلك الحياة الغنية في مسلخة القرن العشرين؟إن طريق الحياة الخالص لعرب الاهوار عرضة للتعسف،وإني أواسي نفسي بفكرة أن مجنونا فقط من يمكنه أن يتنبأ بموت أقدم وأنبل الناس))، هكذا يصفهم من عاش معهم زمنا بسيطا فكيف الحال بمن عاش معهم وولد في تلك البيئة الساحرة فلا عجب ان قال"ياهوري عشكي وياك عشك الهوه الهاب...من ينكطع وياي حضرولي سرداب"،لكن مع حصول تلك المأساة استعادت الاهوار عافيتها وتجاوزت اعداد الجاموس في جنوب العراق وبالتحديد في مناطق اهوار الحويزة والصحين أي المناطق الوسطى من محافظة ميسان الخمسين الف رأس جاموس بحسب تصريحات اعلامية لوزارة الزراعة،"،يذكر ان منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة وفي تقرير سابق لها اكدت ان أعداد الجاموس في العراق كانت تبلغ مئات الالوف في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لكن الرقم انخفض الى عشرات الالاف فقط، في مطلع الالفية الثالثة بسبب عمليات التجفيف وتهجير سكان الاهوار.


دعم لجميع مربي الجاموس


مربي الجاموس جاسم جويعد بين لـ"الصباح" ان وزارة الزراعة ومن خلال مديريتها المعنية بمحافظة ميسان تقوم بدعم جميع مربي الجاموس وهذا ما ساهم بزيادة اعدادها،وذلك من خلال تقديم الاعلاف اللازمة وتوفير العيادات البيطرية التي تقدم خدماتها مجانا لمربي الجاموس فضلا عن السلف المقدمة للمربين من قبل الحكومة،مضيفا ان عودة المياه ولو بشكل جزئي الى الاهوار اعاد الحياة للجاموس،مبينا ان الوزارة قامت بترقيم تلك الحيوانات من اجل المحافظة عليها ومعرفة اعدادها،وذلك من خلال منع ذبح الأناث منها في المجازر من اجل تكاثرها ،ويبين جويعد ان المشكلة الوحيدة لمربي الجاموس هي في توفير مراكز تسويقية للحليب المنتج ،موضحا ان الجاموسة الواحدة تدر يوميا ما مقداره (30)لترا من الحليب  وهذا يحتاج الى مراكز تسويقية لبيعه ،ويضيف جويعد ان حجم الجاموسة يصل مابين 350الى 700كغم اذا ما وجدت العلف الكافي ،وعن علاقة المربي بالجاموس يقول جويعد: ان الجاموسة لها خصوصية عند اهل الهور لكونها ام الرزق والطعام لديهم ،حتى بالغ بعض ابناء الهور بعشقها حين قال "امي وعلي كل يوم درت كرمها.....ومن ضرع هالجاموس شبّت زلمها".
 يوسف المحمداوي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com