... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة الفن

 

 

الأغنية الجنوبية العراقية وشفرات الذات المجهضة

عدد المشاهدات   1624
تاريخ النشر       25/07/2014 02:49 PM


نبراس الذاكرة

 

 

 أنساق الوعي الشعبي

 

 ترتبط ذاكرة الوعي الشعبي العراقي باللغة، مثلما  ترتبط بالمكان، وبالعوالم السرية والرمزية لذلك المكان، اذ تملك هذه العوالم قاموسها اللغوي وشفراته، وطرائق تعبيره، لانها ستكون مصدرا لتوليد الكثير من النصوص المستعملة تواصلا او مجازا، فضلا عن الكثير من العلائق التي تتحكم بما هو اجتماعي ونفسي في تلك النصوص، حدّ ان(نصيتها) تدخل في التسميات، وفي الكنايات، وربما تتحول(سوق لغوية) تمارس مهيمنتها الرمزية..

الشفرة الغنائية من اكثر الشفرات تأثيرا في الوعي الشعبي، وفي تبدياته ضمن بيئة المكان الجنوبي، اذ يكون هذا المكان حاضنا لتسميات ولمعان ولافكار وعلاقات  لايمكن التصرف والبوح بها الاّ من خلال الشفرة الغنائية الشعبية..

  بوصف هذه الشفرة هي سيمياء غير منضبطة وغير مراقبة في التعبير، وهي كذلك ممارسة داخلية يمكن اخفاؤها، والتستر عليها، وتعميلها كحافز لاشباع استيهامي للذة، مثلما هي وظيفتها الثقافية في الكشف عن الانساق المضمرة لظواهر اجتماعية جنوبية فاعلة ومؤثرة، لكنها مقموعة، وتحتاج الى اللغة/ الشعر والاغنية والمجاز لتصريف ضواغط قمعها، مثل ظاهرة العاشق، والمظلوم، او المطرود، او العاشقة والمرأة المهجورة والمطلقة، التي تعاني من بعد الحبيب او جفائه، اوعن المراة  الخاضعة لزيجة قهرية، وتعاني ايضا من التهميش والمطرودية والقمع والاقصاء..

الجانب التعبيري عن هذه الظواهر الاجتماعية يملك في الذاكرة الجنوبية قاموسا شعريا له ايقاعاته الخاصة والسهلة وله، مفرداته الموحية، وله ايضا المزاج الغنائي المتعالق بتسميات وتوصيفات قارّة، وله ايضا استعاراته وتورياته وخفاياه، تلك التي تصطنع لها خطابا، اي (نصا استعماليا) يجعل من التفسير الاجتماعي والنفسي لهذه الظواهر يتداخل مع الدلالات السرية لحمولات النص المستعمل، اي النص الشعري او النص الغنائي، لانه سيكون نص اللغة المستعملة، ونص الايحاء ايضا، مثلما هو نص الوسيط بين المهيمن والتابع، او بين العاشق او العاشقة والاخرين..

اللغة الشعرية بنبرتها الشعبية في هذا النص المستعمل كواسطة للعشاق او اصحاب المظلوميات، تتحول الى خزين للملفوظات والصور، والى ممارسة تستغرق حياة مستعمليها، مثلما تتحول الى نسق رمزي لتواصلهم، لانهم يجدون بها حريتهم في التعبير، وفي التعويض وفي الاشباع، مثلما تتحول الى لغة للتوطين والمجاورة والتواصل الرمزي والتعبيري، وللاستعانة بقوى متعالية للتقريب والحماية والاستعطاف، فالكثير من الكلام الشعري يلجأ الى الرموز المقدسة كالائمة والمزارات لاستحضارها  في التعبير عن شفرة استجلاب المحبوب، وفي منع الشامت والعدو من الحضور واصطناع فعل الايذاء والشماتة..

بنية التواصل في هذه اللغة، تنزع الكثير من الاقنعة، لانها تتجوهر في النص الشعري والغنائي، اي ان هذا التموضع في نص غير اجتماعي، يعني حمايتها من احكام الاخرين، وتلك ما تبدو اكثر خصوصية، عبر الاكثار من استعمالها واطلاقها،  في تبادل مستعمليها لخزين شفراتها، ولقيمها الحسية والنفسية وحتى الجنسية، لكنها- مع ذلك- حاملة لقيم من الصعب المجاهرة بها، لانها  تعبّر عن الحرمان والاضطراب والخوف من الرقيب، او من مايسمى ب(الشامت)..

الاغنية تعدّ من اكثر وسائط التعبير عن هذا الحرمان، عبر كلماتها وشفراتها وايقاعها، وعبر ماتحمله من شهوة رمزية للتواصل والاشباع، اذ تكتنز المفردات بطاقات مضخمة، فيها الكثير من الاشهار النفسي، والعلاماتية التي تمنح صاحبها فصاحة مجازية، وتوسيما يرتبط بها خارج اللغة، اذ تسبغ عليه الاغنية نوعا من المغامرة، ونوعا من الحضور القلق، الحضور المدفوع والمشحون بسيولة اللغة/ الشعر، والصوت/ الاغنية...فالدارمي والابوذية والبستة تكاد تكون هي البنية اللغوية الشعرية والصوتية الاكثر تنشيطا  للمخيلة، والاكثر تعبيرا عن نصية المكان، وعن نسقه المضمر، وعن الذات الاستعمالية التي تغيب تحت الاستيهام، مقابل حضور اللغة بوصفها القوة الحمائية للعاشق والمظلوم او لعلاقة المرأة السرية بتلك المرجعية التعبيرية الحاضنة لشهوتها المغيبة، او لرغبتها بالاحتجاج والتمرد...

الاغنية الشعبية وشفرة التواصل..

  الاغنية في البيئة الجنوبية تمثل الواسطة الاكثر تعبيرا عن  الافصاح، وعن توظيف المجاز في ايصال الرسالة الى الشخص/ الحبيب/ الشخص المقصود رمزيا، او في شحن المكان بقوة تعبيرية، تقوم بتنشيط المخيال، والحلم، والشهوة.

  تلك التي يمكن ان يستعيد من خلالها العاشق او العاشقة قوته/ قوتها الافتراضية، والتعبير عن شوقه ولهفته للحبيب، او انها تتحول الى شفرة عابرة للحاجز/ بيئة الحريم، لاشباع الرغبات المخنوقة في(السلف) او في(البيت) او في(الحقل)..

الاغنية تكتظ هنا  بشراهة اللغة الشعرية المجازية، اذ تتحول الى هوية مقصودة، او الى مساحة مفتوحة يتكثف فيها المعنى او الرسالة، مثلما يحضر فيها المحبوب بوصفه العلامة الرائجة  عن توصيف الغياب، وعن الايهام بالمتعة، وعن الاحساس الداخلي بالتعويض..وهومايسهّل رسوخها وحفظها وتداولها، ولعل اغنيات لـ(مغنين) مثل مسعودة العمارتلي وسيد محمد وسلمان المنكوب وداخل الاعمى وناصر حكيم وخضير حسن وحضيري ابو عزيز وداخل حسن وغيرهم تكتسب صفة نصوصية استعمالية.

  لانهم  يغنون للفرجة والاشهار في البيوتات او في مجالس الشيوخ ودواوينهم، لكنهم في الجوهر يغنون لعوالم مجهضة، ولذوات تعيش محنة المكان، ورعب مهيمناته، وانساقه الظاهرة، مثلما يتحول غناؤهم الى منظومة من  الشفرات التي تجد في هذه البيئات مجالا للتواصل، ومجالا للسماع والنسخ، والرغبة، ومجالا للكشف عن(قبحيات المكان) من خلال الكشف عن القوى المهيمنة، والمتحكمة بعلائقه الداخلية، اذ تتحول الاغنية الى مجس كاشف، والى لغة للمفكر فيه، والتي يجد المطرب في استعمالها وفي اشباعها احساسا بتجاوز الهشاشة الطبقية، والتهميش الاجتماعي.

  من جانب، مثلما تجد في رمزيتها مجموعة من الشفرات التي تتحول الى قاموس داخلي  للتمرد والرفض والاحتجاج، ولابتكار المجازات في التواصل النفسي المضاد للتابو المحرم اجتماعيا وعشائريا..

الاغنية لاتقدم توصيفا او تعريفا بما هو موجود، بل انها تعكس حسا بما هو مفارق، او بما هو دافع- رمزي- لاستبدال الحرمان بالاشباع، والبعيد بالقريب، والقسوة بالحميمية، وغيرها من الثنائيات التي تعكس بيئة المفارقة الطبقية في المجتمع الجنــــوبي..

ولعل موقف البعض من المغنين الذين يكسرون هذا النسق يجسد طبيعة المهيمن، والعلاقة المضطربة التي تفضح احيانا  الشفرات الساكنة في اللغة، اذ يعدّ هذا الكشف عيبا ومهانة للعائلة والعشيرة ولرمزيتهما.

  واغلب المغنين قد طردوا من عوائلهم وعشائرهم.

  ونزحوا  فيما بعد الى المدن الكبرى، ومنهم سيد محمد المعروف بنسبه الى عائلة السادة ال نور، وكذلك  العديد من  المغنين الاخرين  الذين خرجوا من المكان الجنوبي العشائري الى المكان المديني، وهو مايعني انكسار الشفرة.

  وانفتاح اللغة  لتكون اكثر تعبيرا عن الذات والجسد والمكان والرغبة، لانها تخلصت من المراقبة، ودخلت بالكامل الى منطقة الفرجة التي يصنعها جمهور اخر، جمهور غير محكوم بالتابو ولا بالقرابة....
علي حسن الفواز
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com